محمد بن جرير الطبري
31
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
واختلف أهل العربية في العامل ، في قوله أفغير النصب ، فقال بعض نحويي البصرة : قل أفغير الله تأمروني ، يقول : أفغير الله أعبد تأمروني ، كأنه أراد الالغاء ، والله أعلم ، كما تقول : ذهب فلان يدري ، جعله على معنى : فما يدري . وقال بعض نحويي الكوفة : غير منتصبة بأعبد ، وأن تحذف وتدخل ، لأنها علم للاستقبال ، كما تقول : أريد أن أضرب ، وأريد أضرب ، وعسى أن أضرب ، وعسى أضرب ، فكانت في طلبها الاستقبال ، كقولك : زيدا سوف أضرب ، فلذلك حذفت وعمل ما بعدها فيما قبلها ، ولا حاجة بنا إلى اللغو . وقوله : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك يقول تعالى ذكره : ولقد أوحى إليك يا محمد ربك ، وإلى الذين من قبلك من الرسل لئن أشركت ليحبطن عملك يقول : لئن أشركت بالله شيئا يا محمد ، ليبطلن عملك ، ولا تنال به ثوابا ، ولا تدرك جزاء إلا جزاء من أشرك بالله ، وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم ومعنى الكلام : ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ، ولتكونن من الخاسرين ، وإلى الذين من قبلك ، بمعنى : وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك ، مثل الذي أوحى إليك منه ، فاحذر أن تشرك بالله شيئا فتهلك . ومعنى قوله : ولتكونن من الخاسرين ولتكونن من الهالكين بالاشراك بالله إن أشركت به شيئا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( بل الله فاعبد وكن من الشاكرين * وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : لا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بعبادته ، بل الله فاعبد دون كل ما سواه من الآلهة والأوثان والأنداد وكن من الشاكرين لله على نعمته عليك بما أنعم عليك من الهداية لعبادته ، والبراءة من عبادة الأصنام والأوثان . ونصب اسم الله بقوله فاعبد وهو بعده ، لأنه رد كلام ، ولو نصب بمضمر